عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

71

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

و « المصّاص » هو الذي يمصّ جوف قصبة العظم ، بعد أن يستخرج مخه ، ويستأثر به دون أصحابه . وعابوا الذي يقور الجراذق ويستأثر بالأوساط ويدع لأصحابه الحروف فدعوه « المقور » كما ذموا سلوك « المحلقم » وهو الذي يتكلم واللقمة قد بلغت حلقومه . و « المسوّغ » الذي يعظم اللقم فلا يزال قد غص ولا يزال يسيفه بالماء ، وكذلك « الملّغم » الذي يأكل حروف الرغيف أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه ليحملا له من الزبد والسمن ، ومن اللبن واللبأ ، ومن البيض النيمبرشت أكثر . ومن السلوك السيء في المؤاكلة مص الأصابع ثم إعادتها إلى القصعة وغمسها في المرق فسموا « اللطّاع » من يلطع أصبعه ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم . وكذلك عابوا سلوك من يعض على اللقمة فيقطع نصفها ثم يغمس الآخر في قصعة الطعام فسموه « القطّاع » والذي ينهش اللحم كما ينهش السبع فريسته سموه « نهّاشا » والذي يعض على العصبة التي لم تنضج وهو يمدها بفيه ويده توترها له سموه « المداد » وهذا سلوك شائن لأنه قد يقطعها بنثرة فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل . واعتبروا سلوكا معيبا أن ينحي المؤاكل عظما قد وقع في القصعة فصار مما يليه فينحيه بلقمة من خبز حتى تصير مكانه قطعة من لحم ، وهو بذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق دون اراغة اللحم مع أنه يبغيه ويريد الاستئثار به دون مؤاكليه ، فدعوا من يفعل هذا « الدفّاع » . أما « المتحوّل » فهو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه ، احتال له حتى يخلطه بنوى صاحبه . وهذه العيوب التي أخذوها على الطاعم كثيرة في آدابنا الاجتماعية ، والحديث عنها والالتزام به على جانب كبير من الأهمية . ويجب أن لا ننسى أن أدب المؤاكلة من الموضوعات الحساسة التي انفرد بها أجدادنا العرب وخصوصا بمؤلفات هامة جامعة قل أن نعثر في آداب الأمم الأخرى وعاداتهم موضوعا أو مؤلفا أو تنويها يشير إلى هذه الآداب ، ويبرز العيوب القبيحة في العادات